عبد القادر الجيلاني

352

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

ولده الشيخ الجليل الأصيل عدي الآتي ذكره رضي اللّه عنه . وكان كريم الشمائل ظريف المعاني ذا سمت وحياء محبّا لأهل الدين مكرما لأهل العلم وافر العقل شديد التواضع . وله كلام نفيس على لسان أهل الحقائق . منه من سكر بكأس المحبة لا يصحو إلا بمشاهدة محبوبه فإن السكر ليلة صباحه المشاهدة كما أن الصدق شجرة ثمرتها المجاهدة . ومنه أصول المحبة في ثلاثة أشياء الوفاء والأدب والمروءة فالوفاء انفراد القلب بفردانيته والثبات على مشاهدته والمؤانسة بنور أزليته . وأما الأدب فمراعاة الخطرات وحفظ الأوقات والانقطاع عن المقاطعات . وأما المروءة فالقيام على الذكر بالصفاء قولا وفعلا والسر عن الأغيار ظاهرا وباطنا وحفظ الأوقات لرعاية ما هو آت واستدراك الأوقات فإذا وجدت هذه الخصال في العبد وجد لذة الوصال وخاف حرقة البين وهاج في سره نار الاشتياق : قال الشيخ أبو الفتح نصر بن رضوان بن مروان الداراني خرجت في بعض الأيام في فصل الخريف مع الشيخ من الزاوية إلى الجبل ومعه جمع من الفقراء فقال أحدهم : اشتهينا اليوم رمانا حلوا وحامضا فلم يتم كلامه حتى امتلأت جميع أصناف أشجار الوادي رمانا فقال لنا الشيخ رضي اللّه عنه : دونكم وما تريدون الرمان فقطعنا منه شيئا كثيرا وكنا نقطف للرمان من شجر التفاح والإجاص والمشمش وكنا نأخذ من الشجرة الواحدة الحلو والحامض فأكلنا منه حتى شبعنا وعدنا ثم خرجنا بعد ساعة ولم يكن الشيخ معنا فلم نر على تلك الأشجار رمانة واحدة . وقال كان الشيخ نصر اللّه بن علي الحميدي الشيباني الهكار ماشيا على حافة الجبل في يوم ريح عاصف فاضطرب الجبل وغلب عليه الريح فسقط من أعلى الجبل وكان الشيخ رضي اللّه عنه تجاه الجبل جالسا فأشار بيده إلى الجبل فثبت مكانه وبقي الشيخ نصر اللّه في الهواء بين أعلى الجبل والأرض لم يتحرك لا يمينا ولا شمالا كأن أحدا مسكه ومنعه من الحركة ومكث ساعة فقال الشيخ للريح : يا ريح اصعدي به إلى سطح الجبل فصعدت به الريح رفقا رفقا كأن أحدا يحمله حتى انتهت به إلى سطح الجبل ببركته رضي اللّه عنه . وقال أبو الفضل معالي بن بنهال التميمي الموصلي رحمة اللّه عليه صحبت سيدي الشيخ أبا البركات سبع سنين وكنت يوما أصب الماء على يديه بعد الطعام فقال لي : ما تريد ؟ فقلت له : ادع لي بتيسير حفظ القرآن العظيم فقال : يسره اللّه عليك وأعانك على تلاوته وقرب لك كل بعيد فيسر اللّه تعالى على حفظ القرآن حتى كملت حفظه في ثمانية أشهر بعد أن كنت أردد الآية في حفظها ثلاثة أيام ويعسر على حفظها وها أنا أتلوه آناء الليل وأطراف النهار وفرب اللّه تعالى لي كل بعيد وما عسر عليّ بعد ذلك أمر إلا وهان ولا هالني شيء إلا يسره اللّه تعالى